أفكار قياديةإنترنت الأشياء / إنترنت الأشياء الصناعي والتصنيع الذكي
تأمُل الخليل وصُنع الجليل
في تكنولوجيا
NS- بواسطة
- Nabil Shalaby
- تم النشر في
تأمَّلَ أبو الأنبياء، الخليل إبراهيم عليه السلام، في خلق الله، وركّز على الظواهر الجليّة؛ كالشمس والقمر والنجوم، وسأل نفسه: كيف يمكن أن تكون هذه الأشياء هي الله؟! وأدرك أن كل شيء في هذا الكون يتأثر ويموت، بينما الله وحده هو الحيّ الذي لا يموت.
هكذا، جاءت الهداية إلى سيّدنا إبراهيم عن طريق التأمُّل في الكون والنظر في الخلق، إذ أدرك أن للكون إلهًا واحدًا أحدًا لا يستحق العبادة سواه، وهو الله الخالق، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
أذكر أننا كنّا في مرحلة المراهقة في عالمٍ خالٍ من الإنترنت والفضائيات، ولم نكن نطالع إلا الكتب؛ ننهل منها ونستقي المعارف والعلوم في شتَّى المجالات. وكان موقعي المُفضَّل هو دار الكتب، الغنيَّة بمقتنياتها من الكتب، والمبهرة بطرازها المعماري المُشيَّد عام1909م.
ضمّت الدار كل أطياف المؤلفات العالمية، فتشكّل وجداننا – ونحن فتيان صغار – على أفكار تلك المؤلفات؛ فصرنا نطرح أسئلة على غرار: "أين الله؟ ومن أين أتى؟!"، وبدأنا نتشكّك في كل شيء.
عجز الوالدان عن إثنائنا عن هذا التفكير، حتى صادفتُ مخلوقًا ضئيلاً: نملةً صغيرة، كانت تسعى إلى رزقها صباح يوم جمعة، بكورنيش مدينة المنصورة المصرية، في أواخر السبعينيات، حينما كنت جالسًا بمفردي، متأملاً مُلهمي الرئيس في ذلك الزمان وهو نهر النيل.
كانت النملة تسير أمامي بمحاذاة سور الكورنيش، فانهمرت في خاطري أسئلة كثيرة. أولها: لهذه النملة أقدام ترتطم بالأرض، ولا شك أنها تُحدث صوتًا؛ فلماذا لا نسمعه؟! أجبت نفسي: لأن سمعي محدود، بنطاق معيّن من "الديسيبل" (وحدة قياس شدة الصوت)، فلا أستطيع سماع صوت النملة وغيرها.
السؤال الثاني: عندما تأملت الجانب الآخر من النيل، حيث لم يكن ثمة مبانٍ، بل فقط اللون الأخضر على مرمى البصر، فسألت نفسي: بعيدًا في هذا الاتجاه من دلتا النيل تقع جزيرة قبرص، ومن خلفها تركيا، وعلى يسارها اليونان، فلماذا لا أستطيع رؤية هذه البلاد؟! فأجبت نفسي: لأن بصري محدود.
هكذا توالت الأسئلة؛ حتى وصلت إلى الإجابة الأخيرة: أن فكري محدود.
شعرت حينها وكأن دُشًّا باردًا قد انسكب على رأسي، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت براحة عجيبة، واقتنعت بأنّ عقلي محاط بحدودٍ معيّنة لا يمكن تجاوزها، تمامًا مثل سمعي وبصري وكل جوارحي.
كانت تلك النملة سببًا في تغيير حياتي؛ إذ تخلّصتُ بعدها مباشرة من كتب سارتر وماركس وأمثالهما، بل واستبدلت أصدقائي بآخرين توافقوا مع ميلادي الجديد، الذي عرفت فيه الله ربّي الخالق المتعال على مخلوقاته، الذي يسمع - سبحانه وتعالى- ما لا نسمع، ويرى ما لا نرى، ويعلم ما لا نعلم، ويقدر على ما لا نقدر؛ الواحد الأحد، السميع البصير، القادر الخبير.
لقد بحث العلماء والمهندسون وروّاد الأعمال أيضًا عن الإلهام في خلق الله سبحانه وتعالى؛ بحثًا عن أفكار لتصميم تقنيات جديدة أو تحسين ما هو موجود، فيما يُعرف بنهج المحاكاة (Simulation)؛ وهو فرع من العلوم لدراسة كيفية تقليد مخلوقات الجليل، في الهندسة والعلوم والتكنولوجيا، وكيفية عمل الكائنات الحية، واستخدام تلك المعلومات في تصميم أنظمة وأجهزة جديدة.
ومن أمثلة المحاكاة:
- الروبوتات التي تحاكي عمل وتفكير الإنسان.
- أجهزة التشخيص والعلاج بالموجات فوق الصوتية، والتي استُلهِمت من طريقة الخفاش في إرسال واستقبال الموجات.
- تصميم الطائرات بذيلٍ وجناحين، كأي طائر في الطبيعة.
- ماكينات التفريخ التي صُمّمت محاكاةً لسلوك الدجاجة في حضن البيض، لضبط الحرارة والرطوبة.
- ملابس السباحة المستوحاة من جلد سمكة القرش، لتقليل مقاومة الماء وزيادة الانزلاق.
وهناك أيضًا:
- الأطراف الصناعية التي تحاكي الأطراف الطبيعية وتمنح تحكمًا عاليًا.
- المواد اللاصقة المستوحاة من لسان السحلية، لقوتها ومرونتها.
- الأسطح ذاتية التنظيف المستلهمة من نبتة اللوتس.
- تصميم المباني الموفّرة للطاقة، محاكاةً لهندسة مستعمرات النمل الأبيض في التهوية الطبيعية.
- التوربينات المائية المولّدة للطاقة، والمستوحاة من زعانف الأسماك.
- الخلايا الشمسية المستوحاة من أوراق النباتات، لامتصاص الضوء بكفاءة.
- اللصقات الطبية المستوحاة من جلد الضفدع، لمقاومتها للماء وسرعة التئامها.
كما استُلهِم من عيون الحشرات تطوير الكاميرات الفائقة الدقة والعيون الاصطناعية لتحسين أداء الرؤية، كما درسوا نظام تبريد النحل في الخلايا لتصميم تقنيات تبريد فعالة ومستدامة؛ بغرض تقليل استهلاك الطاقة في أنظمة التبريد وتحسين كفاءتها، كما استلهم المعماريون من هيكل الأشجار طريقة توزيع الأحمال لتصميم مبانٍ أكثر قوة واستدامة، كما صُمّمت روبوتات التنظيف البيئي محاكاةً للديدان والكائنات البحرية، التي تقوم بتنظيف البيئة البحرية؛ حيث تُستخدم هذه التقنيات لتطوير أنظمة تنظيف فعالة وصديقة للبيئة، واستوحى مصممو المواد الخفيفة والقوية من تركيبة شبكات العنكبوت، تطوير مواد تستخدم في الطيران والفضاء، كما درس المهندسون كيفية تسلق الحشرات؛ لتطوير روبوتات قادرة على التسلق بشكل فعال؛ إذ تستخدم هذه التقنيات في مهام التفتيش والصيانة في الأماكن الصعبة.
صُنعَ الله الذي أتقنَ كل شيءٍ صَنَعه، هو مصدر الإلهام الأول للإبداع والابتكار في مختلف المجالات. فعلى روّاد الأعمال السعي إلى استكشاف هذا الثراء؛ لاستحداث وتطوير حلول جديدة ومستدامة، فالتأمل في مخلوقات ربّ العالمين الخالق المصوّر البديع الجليل، كنزٌ لا يفنَى، وثروة لا تنضب.
انضم مجانًا لفتح المنشور
هذا المحتوى حصري للأعضاء. سجّل مجانًا للاطلاع على المنشور كاملًا.
هل أنت عضو بالفعل؟ تسجيل الدخول.
التعليقات (0)