أنت هنا

ريادة الأعمال: ما بين "الأنا" والأنف المكسور

منذ 5 سنوات شهر واحد

إليك السيناريو التالي: وجدتَ فكرة رائعة.. صنعتَ نموذجًا أوّليًا لها.. أنشأت شركتك الخاصة حيث تذهب ترتدي ما تريد وتفعل ما يحلو لك.. تتعامل كالمعتاد كأنك مسافر على طائرة قرر فجأة أن يفك حزام الأمان ويقفز من الطائرة أمام الجميع الذين ينظرون إليك في ذهول.. وتقول لهم وأنت تشير بعلامة "السلام" بيديك: لقد قررت أن أبني طائرة أخرى..

الواقع أنك يجب أن تكون مجنونًا قليلًا لتخرج من رحم العمل المعتاد الدافئ وتتخلى عن المسكنات التي تُعطى إليك في صورة راتب ثابت كل شهر وتصبح رائد أعمال. لكن دفقة الحماس الأولى التي تدفعك نحو نمط حياة رواد الأعمال المغري لا تستمر كثيرًا للأسف.

أول قفزة تكون سحرية حتمًا.. وحياة ما بعد إيجاد التمويل أو الاستحواذ على شركة أو الطرح في السوق يمكن أن تكون سحرية لمن يصل إليها. لكن للأسف ما يتم الترويج له عن حلم ريادة الأعمال عادة ما يخبئ بين طياته الكثير من الأكاذيب.. والآن –مع شركتي الناشئة الثانية- أتفهم لماذا..

"كل شخص لديه خطة حتى يتم لكمه في وجهه" – مايك تايسون

درست الهندسة، ولم يكن لدي أدنى احترام لأي شيء ليس له علاقة بالأكواد واللوغاريتمات. كالكثير من المهندسين، كانت المعادلة بسيطة بالنسبة لي:

فكرة رائعة + تطبيق جيد التطوير = شراء منزل فخم والسكن مع علية القوم في خلال سنة أو اثنتين.

لكن الأمور لا تسير هكذا..  والإيمان بالذات أو "الأنا" لا يظل كما هو..

مستوى "الأنا": 100%

يمكن أن تبدأ أي شيء مشتعلًا بالطاقة، فمثلًا خلال شهر واحد يمكنك أن تطور الكود الخاص بك وتحصل على لوجو وواجهة من مصمم رخيص الثمن وتطلق نسخة منتجك الأولية لتدخل في شبكة علاقات مجالك في لحظة..

وفي اللحظة التي تحاول فيها شرح منتجك وأهميته لشخص ما فيما يزيد عن الساعة، ستشعر أن شيئًا ما ليس على ما يرام. وقريبًا ستتحقق كل مخاوفك، ويبدأ الآخرون في البعد عنك حتى لا يجدون أنفسهم مجبرين على أن يخوضوا محادثة سيئة/محرجة جدًا معك تنتهي بأنهم يحركون رأسهم ويقولون في تهذيب: "هذا مثير للاهتمام..حقًا.. حظًا سعيدًا!" ثم يفرون منك بعيدًا.



مستوى "الأنا" المتبقي: 80%

وقتها ستفكر: "حسنًا، سأعمل على الكود الخاص بي.. سأدخل الكهف وأضع خطة تسويق لا مثيل لها بنفسي.. فأنا عبقري! ثم سأعلن ما وصلت إليه قائلًا: يا سكان الأرض.. إليكم أحدث ما توصلت إليه! وحينها سيجن كل سكان الأرض من فرط إعجابهم بما قلت".

لكنك بينما تمضي في ثقة نحو مكان تقديمك لفكرتك، سترى أن من ضمن جمهورك -المكون من 3 أشخاص- هناك شخص يلعب كاندي كراش على الموبايل غير عابئ بك على الإطلاق.

فلتقُم بتحديث صفحة جوجل أناليتكس (Google Analytics) مرة أخرى ربما تتغير النتائج.. وماذا عن حملة إعلانات الفايسبوك التي بنيت عليها خطتك التسويقية؟ إن المستخدمين يفرون منها فرارهم من المجذوم.

لقد اعتقدت أنك يمكن أن تصير راهبًا في محراب المنتج وتبنيه دون أن تتحدث إلى أحد.. وتتجاهل رسائل الكون المتكررة التي تقول لك: "يا بني، ليست هذه هي الطريقة الصحيحة".



مستوى "الأنا" المتبقي: 50%

تقول لنفسك: "بالطبع لا تسير الأمور على ما يرام، لأني لا أمتلك التمويل! كيف سأطير إن لم أمتلك أجنحة؟"

أغلب رواد الأعمال تسيطر عليهم فكرة أن التمويل يساوي النجاح.. أصبح الحصول على التمويل الهدف الأسمى وطريقًا للهروب من أسئلة عن مدى جودة أداء المنتج نفسه.

تقدم منتجك أمام المستثمر في فخر، لكن حين يقول لك أن منتجك ليس جذابًا تتحول في دقائق معدودة إلى شحاذ حزين بائس.. ولسان حالك يقول "هل يمكن أن آخذ مالك من فضلك؟" مع إجابة واضحة من المستثمر "لا.. اغرب عن وجهي".

مستوى "الأنا" المتبقي: 25%

الآن تقول لنفسك "الاستثمار هذا للصعاليك.. أنا لا أحتاجه".

فتقيّم كل ما لم يسِر كما توقعت لتصل إلى الاستنتاج: المنتج يحتاج ميزات أفضل. فتسخر كل ما تبقى من طاقة لديك لكي تصنع نسخة جديدة تمامًا من المنتج، وتدفع أموالًا طائلة لتجديد شكل الموقع حتى يصبح أي موقع آخر متواضعًا بالمقارنة به.

النجاح مضمون الآن.. المنتج رائع.. أنت رائع..

احرص على أن يكون جواز سفرك والفيزا جاهزين، فسيكون أمرًا محرجًا أن يدعوك مارك زاكربرج لاجتماع لمناقشة استحواذه على منتجك وتعطلك إجراءات السفر.

إنه يوم إطلاق المنتج.. حملة دعائية ضخمة.. الآن تتوقع أن أسهم جوجل أناليتكس ستكون في السماء.. لكن تفاجئ بأن الأسهم لا تتحرك على الإطلاق..

لابد أن الخطأ في التكنولوجيا.. لأن كل شيء آخر يسير على ما يرام. فتقوم بعمل مجموعة تركيز focus group  لأول مرة لتكتشف لماذا لا يستخدم الناس منتجك. ربما هو لون الزر الأساسي الذي يذكرهم بذكريات طفولة سيئة؟

وأخيرًا ترى الحقيقة: هو منتج عظيم، من الرائع أنك حللت مشكلة.. لكن.. الناس لا تأبه لهذه المشكلة حقًا..

مستوى "الأنا" المتبقي: 0%

يصر الملاكمون المخضرمون أنك لا تصبح ملاكمًا حتى تكسر أنفك.. الشعور بهذا الألم والمهانة هو ما يجعلك لا تخشى شيئًا.

وبالمثل.. يجب ألا تخشى صنع منتج متوسط النجاح -وربما قصير العمر- لقياس افتراضاتك ومعرفة إن كنت على خطأ في أقرب وقت ممكن. يجب ألا تخشى أن تطلب المساعدة والنقد عندما تحتاجهما لأنك لا تستطيع فعل كل شيء بنفسك..

ولا تخش أن تجرب وتنشئ شركة مربحة بدون دعم من مليونير أو عملاء كبار من اليوم الأول. لا تخش الصدمات، لأن الاصطدام جزء من اللعبة.. بشرط –طبعًا- أن تكون شجاعًا بما يكفي لأن تقوم مجددًا.

 

 

ارسل مقالك الآن أرسل ملاحظاتك